فصل: لَا تَسْقُطُ الْحُدُودُ بَعْدَ رَفْعِهَا لِلْإِمَامِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.حُكْمُ الْمُرْتَدّ، وَحَكَمَ فِيمَنْ بَدّلَ دِينَهُ بِالْقَتْلِ:

وَلَمْ يَخُصّ رَجُلًا مِنْ امْرَأَةٍ وَقَتَلَ الصّدّيقُ امْرَأَةً ارْتَدّتْ بَعْدَ إسْلَامِهَا يُقَالُ لَهَا: أُمّ قِرْفَةَ.

.حُكْمُ شُرْبِ الْخَمْرِ:

وَحَكَمَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِضَرْبِهِ بِالْجَرِيدِ وَالنّعَالِ وَضَرْبِهِ أَرْبَعِينَ وَتَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى الْأَرْبَعِين وَفِي مُصَنّفِ عَبْدِ الرّزّاقِ: أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَمْ يُوَقّتْ فِيهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَيْئًا. وَقَالَ عَلِي رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ جَلَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَكَمّلَهَا عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلّ سُنّةٌ.

.حُكْمُ مَنْ شَرِبَ فِي الرّابِعَةِ:

وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فِي الرّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ. وَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ هُوَ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخُهُ لَا يَحِلّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإِحْدَى ثَلَاث وَقِيلَ هُوَ مُحْكَمٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَاصّ وَالْعَامّ وَلَا سِيّمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَأَخّرُ الْعَامّ. وَقِيلَ نَاسِخُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللّهِ حِمَارٍ فَإِنّهُ أُتِيَ بِهِ مِرَارًا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ. وَقِيلَ قَتْلُهُ تَعْزِيرٌ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ فَإِذَا كَثُرَ مِنْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ الْحَدّ وَاسْتَهَانَ بِهِ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ تَعْزِيرًا لَا حَدّا وَقَدْ صَحّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ ائْتُونِي بِهِ فِي الرّابِعَةِ فَعَلَيّ أَنْ أَقْتُلَهُ لَكُمْ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ مُعَاوِيَة وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ. قَبِيصَةَ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنّ الْقَتْلَ لَيْسَ بِحَدّ أَوْ أَنّهُ مَنْسُوخٌ فَإِنّهُ قَالَ فِيهِ فَأُتِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ ثُمّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ ثُمّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ وَرُفِعَ الْقَتْلُ وَكَانَتْ رُخْصَةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الْمُتّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَا كُنْت لِأَدِيَ مَنْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْحَدّ إلّا شَارِبَ الْخَمْرِ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَسُنّ فِيهِ شَيْئًا إنّمَا هُوَ شَيْءٌ قُلْنَاهُ نَحْن لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ. وَلَفْظُهُمَا: فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَاتَ وَلَمْ يَسُنّه قِيلَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُقَدّرْ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَقْدِيرًا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ وَإِلّا فَعَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَدْ شَهِدَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا أَرْبَعِينَ. وَقَوْلُهُ إنّمَا هُوَ شَيْءٌ قُلْنَاهُ نَحْنُ يَعْنِي التّقْدِيرَ بِثَمَانِينَ فَإِنّ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ جَمَعَ الصّحَابَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَاسْتَشَارَهُمْ فَأَشَارُوا بِثَمَانِينَ فَأَمْضَاهَا ثُمّ جَلَدَ عَلِيّ فِي خِلَافَتِهِ أَرْبَعِينَ وَقَالَ هَذَا أَحَبّ إلَي وَمَنْ تَأَمّلَ الْأَحَادِيثَ رَآهَا تَدُلّ عَلَى أَنّ الْأَرْبَعِينَ حَدّ وَالْأَرْبَعُونَ الزّائِدَةُ عَلَيْهَا تَعْزِيرٌ اتّفَقَ عَلَيْهِ الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَالْقَتْلُ إمّا مَنْسُوخٌ وَإِمّا أَنّهُ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِحَسْبِ تَهَالُكِ النّاسِ فِيهَا وَاسْتِهَانَتِهِمْ بِحَدّهَا فَإِذَا رَأَى قَتْلَ وَاحِدٍ لِيَنْزَجِرَ الْبَاقُونَ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ حَلَقَ فِيهَا عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَغَرّبَ وَهَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلّقَةِ بِالْأَئِمّةِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي السّارِقِ:

قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَقَضَى أَنّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنّ تُرْسٍ أَوْ جُحْفَةٍ وَكَانَ كُلّ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَعَنَ اللّهُ السّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فَقِيلَ هَذَا حَبْلُ السّفِينَةِ وَبَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَقِيلَ بَلْ كُلّ حَبْلٍ وَبَيْضَةٍ وَقِيلَ هُوَ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ أَيْ إنّهُ يَسْرِقُ هَذَا فَيَكُونُ سَبَبًا لِقَطْعِ يَدِهِ أَكْبَرُ مِنْهُ. قَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنّ مِنْهُ مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ. وَحَكَمَ فِي امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ بِقَطْعِ يَدِهَا وَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ بِهَذِهِ الْحُكُومَةِ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا. وَحَكَمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِسْقَاطِ الْقَطْعِ عَنْ الْمُنْتَهِبِ وَالْمُخْتَلِسِ وَالْخَائِن وَالْمُرَادُ بِالْخَائِنِ خَائِنُ الْوَدِيعَةِ.

.جَحْدُ الْعَارِيَةِ كَالسّرِقَةِ:

وَأَمّا جَاحِدُ الْعَارِيَةِ فَيَدْخُلُ فِي اسْمِ السّارِقِ شَرْعًا لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا كَلّمُوهُ فِي شَأْنِ الْمُسْتَعِيرَةِ الْجَاحِدَةِ قَطَعَهَا وَقَالَ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا فَإِدْخَالُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَاحِدَ الْعَارِيَةِ فِي اسْمِ السّارِقِ كَإِدْخَالِهِ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرِ فِي اسْمِ الْخَمْرِ فَتَأَمّلْهُ وَذَلِكَ تَعْرِيفٌ لِلْأُمّةِ بِمُرَادِ اللّهِ مِنْ كَلَامِهِ. وَأَسْقَطَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الثّمَرِ وَالْكَثَرِ وَحَكَمَ أَنّ مَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا مُحْتَاجٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا فِي جَرِينِهِ هُوَ بَيْدَرُهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنّ فَهَذَا قَضَاؤُهُ الْفَصْلُ وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ. وَقَضَى فِي الشّاةِ الّتِي تُؤْخَذُ مِنْ مَرَاتِعِهَا بِثَمَنِهَا مَرّتَيْنِ وَضَرْبِ نَكَالٍ وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَن وَقَضَى بِقَطْعِ سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ بْنِ أُمّيّةَ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ. فَأَرَادَ صَفْوَانُ أَنْ يَهَبَهُ إيّاهُ أَوْ يَبِيعَهُ مِنْهُ فَقَالَ هَلّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِه وَقَطَعَ سَارِقًا سَرَقَ تُرْسًا مِنْ صُفّةِ النّسَاءِ فِي الْمَسْجِد وَدَرَأَ الْقَطْعَ عَنْ عَبْدٍ مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ. وَقَالَ مَالُ اللّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرُفِعَ إلَيْهِ سَارِقٌ فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ لَهُ مَا إخَالُهُ سَرَقَ؟ قَالَ بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِع وَرُفِعَ إلَيْهِ آخَرُ فَقَالَ مَا إخَالُهُ سَرَقَ؟ فَقَالَ بَلَى فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمّ احْسِمُوهُ ثُمّ ائْتُونِي بِهِ فَقَطَعَ ثُمّ أُتِيَ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَهُ تُبْ إلَى اللّهِ فَقَالَ تُبْتُ إلَى اللّهِ فَقَالَ تَابَ اللّهُ عَلَيْكَ وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْهُ أَنّهُ قَطَعَ سَارِقًا وَعَلّقَ يَدَهُ فِي عُنُقِهِ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَنْ اتّهَمَ رَجُلًا بِسَرِقَةٍ:

رَوَى أَبُو دَاوُدَ: عَنْ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَنّ قَوْمًا سُرِقَ لَهُمْ مَتَاعٌ فَاتّهَمُوا نَاسًا مِنْ الْحَاكَةِ فَأَتَوْا النّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَحَبَسَهُمْ أَيّامًا ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُمْ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: خَلّيْتَ سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا امْتِحَانٍ فَقَالَ مَا شِئْتُمْ إنْ شِئْتُمْ أَنْ أَضْرِبَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ مَتَاعُكُمْ فَذَاكَ وَإِلّا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَ الّذِي أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِهِمْ. فَقَالُوا: هَذَا حُكْمُكَ؟ فَقَالَ حُكْمُ اللّهِ وَحُكْمُ رَسُولِهِ.

.فصل مَا تَضَمّنَتْهُ الْأَقْضِيَةُ السّابِقَةُ فِي السّرِقَةِ مِنْ الْأُمُورِ:

أَحَدُهَا: أَنّهُ لَا يَقْطَعُ فِي أَقَلّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ رُبُعِ دِينَارٍ.

.جَوَازُ لَعْنِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ بِأَنْوَاعِهِمْ دُونَ أَعْيَانِهِمْ:

الثّانِي: جَوَازُ لَعْنِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ بِأَنْوَاعِهِمْ دُونَ أَعْيَانِهِمْ كَمَا لَعَنَ السّارِقَ وَلَعَنَ آكِلَ الرّبَا وَمُوكِلَهُ وَلَعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ وَعَاصِرَهَا وَلَعَنَ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وَنَهَى عَنْ لَعْنِ عَبْدِ اللّهِ حِمَارٍ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنّ الْوَصْفَ الّذِي عُلّقَ عَلَيْهِ اللّعْنُ مُقْتَضٍ. وَأَمّا الْمُعَيّنُ فَقَدْ يَقُومُ بِهِ مَا يَمْنَعُ لُحُوقَ اللّعْنِ بِهِ مِنْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ تَوْبَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفّرَةٍ أَوْ عَفْوٍ مِنْ اللّهِ عَنْهُ فَتُلْعَنُ الْأَنْوَاعُ دُونَ الْأَعْيَانِ.
الثّالِثُ الْإِشَارَةُ إلَى سَدّ الذّرَائِعِ فَإِنّهُ أَخْبَرَ أَنّ سَرِقَةَ الْحَبْلِ وَالْبَيْضَةِ لَا تَدَعُهُ حَتّى تُقْطَعُ يَدُهُ.
الرّابِعُ قَطْعُ جَاحِدِ الْعَارِيَةِ وَهُوَ سَارِقٌ شَرْعًا كَمَا تَقَدّمَ.

.مُضَاعَفَةُ الْغُرْمِ:

الْخَامِسُ أَنّ مَنْ سَرَقَ مَالًا قُطِعَ فِيهِ ضُوعِفَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ وَقَدْ نَصّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّه فَقَالَ كُلّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ ضُوعِفَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ وَقَدْ تَقَدّمَ الْحُكْمُ النّبَوِيّ بِهِ فِي صُورَتَيْنِ سَرِقَةُ الثّمَارِ الْمُعَلّقَةُ وَالشّاةُ مِنْ الْمَرْتَعِ.

.اعْتِبَارُ الْحِرْزِ فِي إقَامَةِ الْحَدّ:

السّابِعُ اعْتِبَارُ الْحَرَزِ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الثّمَارِ مِنْ الشّجَرَةِ وَأَوْجَبَهُ عَلَى سَارِقِهِ مِنْ الْجَرِينِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنّ هَذَا لِنُقْصَانِ مَالِيّتِهِ لِإِسْرَاعِ الْفَسَادِ إلَيْهِ وَجَعَلَ هَذَا أَصْلًا فِي كُلّ مَا نَقَصَتْ مَالِيّتُهُ بِإِسْرَاعِ الْفَسَادِ إلَيْهِ.
وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَصَحّ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَعَلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ حَالَةٌ لَا شَيْءَ فِيهَا وَهُوَ مَا إذَا أَكَلَ مِنْهُ بِفِيهِ. وَحَالَةٌ يُغَرّمُ مِثْلَيْهِ وَيُضْرَبُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَهُوَ مَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ شَجَرِهِ وَأَخْرَجَهُ. وَحَالَةٌ يُقْطَعُ فِيهَا وَهُوَ مَا إذَا سَرَقَهُ مِنْ بَيْدَرِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ انْتَهَى جَفَافُهُ أَوْ لَمْ يَنْتَهِ فَالْعِبْرَةُ لِلْمَكَانِ وَالْحِرْزِ لَا لِيُبْسِهِ وَرُطُوبَتِهِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الشّاةِ مِنْ مَرْعَاهَا وَأَوْجَبَهُ عَلَى سَارِقِهَا مِنْ عَطَنِهَا فَإِنّهُ حِرْزُهَا.

.إثْبَاتُ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيّةِ:

الثّامِنُ إثْبَاتُ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيّةِ وَفِيهِ عِدّةُ سُنَنٍ ثَابِتَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَقَدْ عَمِلَ بِهَا الْخُلَفَاءُ الرّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَأَكْثَرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ.
التّاسِعُ أَنّ الْإِنْسَانَ حِرْزٌ لِثِيَابِهِ وَلِفِرَاشِهِ الّذِي هُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ أَيْنَ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ.
الْعَاشِرُ أَنّ الْمَسْجِدَ حِرْزٌ لِمَا يَعْتَادُ وَضْعُهُ فِيهِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَطَعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ تُرْسًا وَعَلَى هَذَا فَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَصِيرِهِ وَقَنَادِيلِهِ وَبُسُطِهِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَمَنْ لَمْ يَقْطَعْهُ قَالَ لَهُ فِيهَا حَقّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَقّ قُطِعَ كَالذّمّيّ.

.الْمُطَالَبَةُ فِي الْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ:

الْحَادِيَ عَشَرَ أَنّ الْمُطَالَبَةَ فِي الْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ فَلَوْ وَهَبَهُ إيّاهُ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ كَمَا صَرّحَ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ هَلّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ.

.لَا تَسْقُطُ الْحُدُودُ بَعْدَ رَفْعِهَا لِلْإِمَامِ:

الثّانِيَ عَشَرَ أَنّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ كُلّ حَدّ بَلَغَ الْإِمَامَ وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ وَفِي السّنَنِ: عَنْهُ إذَا بَلَغَتْ الْحُدُودُ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللّهُ الشّافِعَ وَالْمُشَفّع الثّالِثَ عَشَرَ أَنّ مَنْ سَرَقَ مِنْ شَيْءٍ لَهُ فِيهِ حَقّ لَمْ يُقْطَعْ. لَا يُقْطَعُ إلّا الْإِقْرَارِ مَرّتَيْنِ أَوْ لِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ الرّابِعَ عَشَرَ أَنّهُ لَا يُقْطَعُ إلّا بِالْإِقْرَارِ مَرّتَيْنِ أَوْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ لِأَنّ السّارِقَ أَقَرّ عِنْدَهُ مَرّةً فَقَالَ مَا إِخَالُكَ سَرَقْت؟ فَقَالَ بَلَى فَقَطَعَهُ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَقْطَعْهُ حَتّى أَعَادَ عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ التّعْرِيضُ لِلسّارِقِ بِعَدَمِ الْإِقْرَارِ الْخَامِسَ عَشَرَ التّعْرِيضُ لِلسّارِقِ بِعَدَمِ الْإِقْرَارِ وَبِالرّجُوعِ عَنْهُ وَلَيْسَ هَذَا حُكْمَ كُلّ سَارِقٍ بَلْ مِنْ السّرّاقِ مَنْ يُقِرّ بِالْعُقُوبَةِ وَالتّهْدِيدِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى.

.الْحَسْمُ بَعْدَ الْقَطْعِ:

السّادِسَ عَشَرَ أَنّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ حَسْمُهُ بَعْدَ الْقَطْعِ لِئَلّا يَتْلَفَ. وَفِي قَوْلِهِ احْسِمُوهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ مُؤْنَةَ الْحَسْمِ لَيْسَتْ عَلَى السّارِقِ.
السّابِعَ عَشَرَ تَعْلِيقُ يَدِ السّارِقِ فِي عُنُقِهِ تَنْكِيلًا لَهُ وَبِهِ لِيَرَاهُ غَيْرُهُ.
الثّامِنَ عَشَرَ ضَرْبُ الْمُتّهَمِ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ أَمَارَاتُ الرّيبَةِ وَقَدْ عَاقَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تُهْمَةٍ وَحَبَسَ فِي تُهْمَةٍ.
التّاسِعَ عَشَرَ وُجُوبُ تَخْلِيَةِ الْمُتّهَمِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِمّا اُتّهِمَ بِهِ وَأَنّ الْمُتّهَمَ إذَا رَضِيَ بِضَرْبِ الْمُتّهَمِ فَإِنْ خَرَجَ مَالُهُ عِنْدَهُ وَإِلّا ضُرِبَ هُوَ مِثْلَ ضَرْبِ مَنْ اتّهَمَهُ إنْ أُجِيبَ إلَى ذَلِكَ وَهَذَا كُلّهُ مَعَ أَمَارَاتِ الرّيبَةِ كَمَا قَضَى بِهِ النّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَأَخْبَرَ أَنّهُ قَضَاءُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ.
الْعِشْرُونَ ثُبُوتُ الْقِصَاصِ فِي الضّرْبَةِ بِالسّوْطِ وَالْعَصَا وَنَحْوِهِمَا.

.فصل مَنْ تَكَرّرَ مِنْهُ الْحَدّ فِي السّرِقَةِ:

وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ: أَنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ سَارِقٍ فَقَالُوا: إنّمَا سَرَقَ فَقَالَ اقْطَعُوهُ ثُمّ جِيءَ بِهِ ثَانِيًا فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقَالُوا: إنّمَا سَرَقَ فَقَالَ اقْطَعُوهُ ثُمّ جِيءَ بِهِ فِي الثّالِثَةِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقَالُوا: إنّمَا سَرَقَ فَقَالَ اقْطَعُوهُ ثُمّ جِيءَ بِهِ رَابِعَةً فَقَالَ اُقْتُلُوهُ فَقَالُوا: إنّمَا سَرَقَ فَقَالَ اقْطَعُوهُ فَأُتِيَ بِهِ فِي الْخَامِسَةِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقَتَلُوهُ فَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ فَالنّسَائِيّ وَغَيْرُهُ لَا يُصَحّحُونَ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ النّسَائِيّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَمَصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَغَيْرُهُ يُحَسّنُهُ وَيَقُولُ هَذَا حُكْمٌ خَاصّ بِذَلِكَ الرّجُلِ وَحْدَهُ لِمَا عَلِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي قَتْلِهِ وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ تَقْبَلُهُ وَتَقُولُ بِهِ وَأَنّ السّارِقَ إذَا سَرَقَ خَمْسَ مَرّاتٍ قُتِلَ فِي الْخَامِسَةِ وَمِمّنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَبُو مُصْعَبٍ مِنْ الْمَالِكِيّةِ. وَفِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ الْإِتْيَانُ عَلَى أَطْرَافِ السّارِقِ الْأَرْبَعَةِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ فِي مُصَنّفِهِ: أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُتِيَ بِعَبْدٍ سَرَقَ فَأُتِيَ بِهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ فَتَرَكَهُ ثُمّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمّ السّادِسَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ثُمّ السّابِعَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمّ الثّامِنَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ يُؤْتَى عَلَى أَطْرَافِهِ كُلّهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقَالَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ يُؤْتَى عَلَيْهَا كُلّهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهَلْ الْمَحْذُورُ تَعْطِيلُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ أَوْ ذَهَابُ عُضْوَيْنِ مِنْ شَقّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِيمَا لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُمْنَى فَقَطْ أَوْ أَقْطَعَ الرّجْلِ الْيُسْرَى فَقَطْ فَإِنْ قُلْنَا: يُؤْتَى عَلَى أَطْرَافِهِ لَمْ يُؤْثَرْ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُؤْتَى عَلَيْهَا قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي الصّورَةِ الْأُولَى وَيَدُهُ الْيُمْنَى فِي الثّانِيَةِ عَلَى الْعِلّتَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَ الرّجْلِ الْيُمْنَى لَمْ يُقْطَعْ عَلَى الْعِلّتَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى فَقَطْ لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَاهُ عَلَى الْعِلّتَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمّلْ. وَهَلْ قَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى يَبْتَنِي عَلَى الْعِلّتَيْنِ؟ فَإِنْ عَلّلْنَا بِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ قُطِعَتْ رِجْلُهُ وَإِنْ عَلّلْنَا بِذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شَقّ لَمْ تُقْطَعْ. وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ فَقَطْ وَعَلّلْنَا بِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَإِنْ عَلّلْنَا بِذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شَقّ لَمْ تُقْطَعْ هَذَا طَرْدُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرّرِ فِيهِ تُقْطَعُ يُمْنَى يَدَيْهِ عَلَى الرّوَايَتَيْنِ وَفَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ وَاَلّذِي يُقَالُ فِي الْفَرْقِ إنّهُ إذَا كَانَ أَقْطَعَ الرّجْلَيْنِ فَهُوَ كَالْمُقْعَدِ وَإِذَا قُطِعَتْ إحْدَى يَدَيْهِ انْتَفَعَ بِالْأُخْرَى فِي الْأَكْلِ وَالشّرْبِ وَالْوُضُوءِ وَالِاسْتِجْمَارِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ لَمْ يَنْتَفِعْ إلّا بِرِجْلَيْهِ فَإِذَا ذَهَبَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِفَاعُ بِالرّجْلِ الْوَاحِدَةِ بِلَا يَدٍ وَمِنْ الْفَرْقِ أَنّ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ.

.فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ سَبّهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمّيّ أَوْ مُعَاهَدٍ:

ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَضَى بِإِهْدَارِ دَمِ أُمّ وَلَدٍ الْأَعْمَى لَمّا قَتَلَهَا مَوْلَاهَا عَلَى السّبّ وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ الْيَهُودِ عَلَى سَبّهِ وَأَذَاهُ وَأَمّنَ النّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ إلّا نَفَرًا مِمّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ وَيَهْجُوهُ وَهُمْ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَان وَقَالَ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنّهُ قَدْ آذَى اللّهَ وَرَسُولَهُ وَأَهْدَرَ دَمَهُ وَدَمَ أَبِي رَافِعٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لِأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيّ وَقَدْ أَرَادَ قَتْلَ مَنْ سَبّهُ لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَهَذَا قَضَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَضَاءُ خُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصّحَابَةِ وَقَدْ أَعَاذَهُمْ اللّهُ مِنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الْحُكْمِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ يَهُودِيّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَقَعُ فِيهِ فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتّى مَاتَتْ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَمَهَا وَذَكَرَ أَصْحَابُ السّيَرِ وَالْمَغَازِي عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ هَجَتْ امْرَأَةٌ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَنْ لِي بِهَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا: أَنَا فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا فَأُخْبِرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ وَفِي ذَلِكَ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مَا بَيْنَ صِحَاحٍ وَحِسَانٍ وَمَشَاهِيرَ وَهُوَ إجْمَاعُ الصّحَابَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ أُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِرَجُلٍ سَبّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَتَلَهُ ثُمّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَنْ سَبّ اللّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ سَبّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَاقْتُلُوهُ ثُمّ قَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: أَيّمَا مُسْلِمٍ سَبّ اللّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ سَبّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ كَذّبَ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهِيَ رِدّةٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ رَجَعَ وَإِلّا قُتِلَ وَأَيّمَا مُعَاهَدٍ عَانَدَ فَسَبّ اللّهَ أَوْ سَبّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ جَهَرَ بِهِ فَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ فَاقْتُلُوهُ وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّهُ مَرّ بِهِ رَاهِبٌ فَقِيلَ لَهُ هَذَا يَسُبّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَوْ سَمِعْته لَقَتَلْتُهُ إنّا لَمْ نُعْطِهِمْ الذّمّةَ عَلَى أَنْ يَسُبّوا نَبِيّنَا وَالْآثَارُ عَنْ الصّحَابَةِ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى قَتْلِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إجْمَاعِ الصّدْرِ الْأَوّلِ مِنْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَضَائِهِ فِيمَنْ سَبّهُ.